محمد عبد الله دراز

24

دستور الأخلاق في القرآن

الباحث عن الملكات الإنسانية المتعلقة بقواه النّباتية ، والحيوانية ، والإنسانية ، وتميز الفضائل منها من الرّذائل ليستكمل الإنسان التّحلي ، والاتصاف بها سعادته العلمية ، فيصدر عنه من الفضائل ما يجلب الحمد العام ، والثّناء الجميل من المجتمع الإنساني ، وقد قال صلّى اللّه عليه وآله : « إنّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » « 1 » . وأعلم ، أنّ صاحب الأخلاق السّامية صاحبه هو اللّه الّذي لا يفارقه في حضره ، وسفره ، ونومه ، ويقظته ، بل في حياته ، وموته ، هو ربّه ، ومولاه ، وسيّده ، وخالقه . ومهما ذكره فهو جليسه إذ قال تعالى في الحديث القدسي : « أنا جليس من ذكرني » « 2 » . ومهما انكسر قلبه حزنا على تقصيره في حقّ دينه فهو صاحبه ، وملازمه ، إذ قال أنّا عند المنكسرة قلوبهم « 3 » . فلو عرفه حقّ المعرفة لاتخذه صاحبا ، وجليسا ، وأنيسا ، وترك النّاس جانبا . فإن لم يقدر على ذلك في جميع أوقاته فايّاه أن يخلي ليله ، ونهاره عن وقت يخلو فيه بمولاه ، ويتلذذ بمناجاته . وأدى الصّحبة مع اللّه عزّ وجلّ على ما قاله بعض العلماء « 4 » .

--> ( 1 ) انظر ، كنز العمال : 3 / 16 ح 5217 . ( 2 ) انظر ، الكافي : 2 / 496 ، تفسير القرطبي : 4 / 311 ، المصنّف لابن أبي شيبة : 1 / 108 ح 1224 ، الجامع الصّغير : 1 / 304 ح 557 ، صفوة الصّفوة : 3 / 160 ، كتاب الزّهد لابن أبي عاصم : 1 / 68 . ( 3 ) انظر ، بحار الأنوار : 70 / 157 باب 125 ، كتاب الزّهد الكبير : 2 / 162 ح 367 ، كتاب الزّهد : 1 / 75 ، حلية الأولياء : 2 / 364 ، كشف الخفاء : 1 / 234 ، صفوة الصّفوة : 2 / 293 . ( 4 ) انظر ، في هذا المطلب كتب الآداب ، والعرفان الّتي ألّفها علماؤنا الأعلام في هذا المجال منها : الآداب المعنوية للسيد الإمام الخميني قدّس سرّه ، الفصل الأوّل في التّوبة إلى عزّ الرّبوبية ، وذلّ العبودية ، ففيه إن شاء اللّه تعالى ما يغني .